إعداد المادة: المكتب الإعلامي لمنظمة الجيوستراتيجي للمجتمع المدني الكوردي
لم يكن الخامس من تشرين الأول عام 1962 يوما عاديا في تاريخ الكورد في سوريا، كما لم يكن الإحصاء الذي جرى في محافظة الحسكة مجرد عملية إحصائية هدفها معرفة عدد السكان وتحديث سجلات الدولة، بالمعنى الإداري التقليدي لمفهوم الإحصاء السكاني. فقد جاءت العملية في سياق سياسي شديد الاضطراب أعقب انهيار الوحدة السورية المصرية عام 1961، وفي مرحلة كانت فيها الدولة السورية تعيد بناء مؤسساتها وهويتها السياسية ضمن خطاب قومي عربي متصاعد، بينما كانت المنطقة الكوردية في شمال شرق سوريا تمثل واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة إلى السلطة المركزية. وفي هذا السياق صدر المرسوم التشريعي رقم 93 بتاريخ 23 آب 1962، موقعا باسم رئيس الجمهورية ناظم القدسي، وصدر عن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بشير العظمة، ونص على إجراء إحصاء عام لسكان محافظة الحسكة في يوم واحد. وبعد أسابيع قليلة، تحديدا في 5 تشرين الأول 1962، جرى تنفيذ الإحصاء الاستثنائي الذي أصبح لاحقا أحد أكثر الملفات ارتباطا بقضية الجنسية الكوردية في سوريا.
تكمن أهمية المرسوم في أن قراءته لا ينبغي أن تتوقف عند عنوانه الرسمي، أي «إجراء إحصاء عام لسكان محافظة الحسكة»، لأن مضمون مواده الأربع والعشرين يكشف أن الأمر تجاوز جمع المعلومات السكانية إلى إعادة فحص الوضع القانوني للسكان وإعادة تنظيم سجلات الأحوال المدنية وتحديد من يبقى داخل السجل المدني السوري ومن يُستبعد منه. وهنا تحديدا تبدأ المسألة التي ستغير حياة عشرات الآلاف من الكورد وأجيالهم اللاحقة؛ إذ إن السؤال لم يعد فقط: كم عدد سكان الحسكة؟ بل أصبح: من هو السوري الذي يحق له أن يبقى مسجلا كمواطن، ومن هو الذي سيعاد تصنيفه خارج جماعة المواطنين؟
تكمن أهمية المرسوم في أن قراءته لا ينبغي أن تتوقف عند عنوانه الرسمي، أي «إجراء إحصاء عام لسكان محافظة الحسكة»، لأن مضمون مواده الأربع والعشرين يكشف أن الأمر تجاوز جمع المعلومات السكانية إلى إعادة فحص الوضع القانوني للسكان وإعادة تنظيم سجلات الأحوال المدنية وتحديد من يبقى داخل السجل المدني السوري ومن يُستبعد منه. وهنا تحديدا تبدأ المسألة التي ستغير حياة عشرات الآلاف من الكورد وأجيالهم اللاحقة؛ إذ إن السؤال لم يعد فقط: كم عدد سكان الحسكة؟ بل أصبح: من هو السوري الذي يحق له أن يبقى مسجلا كمواطن، ومن هو الذي سيعاد تصنيفه خارج جماعة المواطنين؟
من إحصاء سكاني إلى عملية استثنائية محصورة في منطقة كوردية
تكشف المادة الأولى من المرسوم عن أول عناصر الاستثنائية؛ فهي لم تأمر بإجراء إحصاء عام في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية، وإنما خصت محافظة الحسكة وحدها بعملية إحصائية تنفذ خلال يوم واحد. كما أعطت المادة لوزير التخطيط، بناء على اقتراح وزير الداخلية، تحديد يوم الإحصاء، وهو ما انتهى إلى تنفيذ العملية في 5 تشرين الأول 1962. أما المواد التالية فأنشأت جهازا إداريا خاصا للعملية، من مديرية الإحصاء في وزارة التخطيط إلى لجنة الإحصاء المركزية وممثلي وزارة الداخلية والأحوال المدنية، وصولا إلى لجان التسجيل والتحقيق واللجنة العليا التي ستدرس النتائج.
وهذا التركيب الإداري مهم للغاية، لأنه يدل على أن العملية لم تكن مجرد تعداد للسكان بهدف إنتاج أرقام ديموغرافية، بل كانت مرتبطة منذ البداية بمنظومة الأحوال المدنية والجنسية. فوجود ممثلين عن وزارة الداخلية والمديرية العامة للأحوال المدنية داخل جهاز الإحصاء، ثم انتقال نتائج الإحصاء إلى لجان مهمتها تقرير تثبيت القيود في سجلات الأحوال المدنية الجديدة أو عدم تثبيتها، يعني أن النتيجة القانونية للفرد أصبحت جزءا من العملية ذاتها.
ولهذا فإن وصف إحصاء 1962 بأنه «إحصاء سكاني» فقط يحجب جوهره الحقيقي؛ فقد كان إحصاءً سكانيا ذو نتائج قانونية مباشرة على صفة الفرد المدنية، وهو ما جعله مختلفا جذريا عن أي تعداد سكاني اعتيادي.
شرط يوم واحد وتحويل الوثيقة إلى معيار للمواطنة
كان من أكثر عناصر العملية حساسية أن الإحصاء جرى في يوم واحد فقط، بينما أصبح على السكان إثبات وضعهم القانوني من خلال الوثائق والسجلات الموجودة لديهم. وقد اعتمدت العملية على إثبات الإقامة في سوريا منذ عام 1945 بالنسبة إلى من كان مطلوبا منه إثبات وجوده السابق، وفقا للتعليمات والإجراءات التي ارتبطت بالإحصاء. وتذكر هيومن رايتس ووتش أن الكورد اضطروا إلى إثبات إقامتهم في سوريا منذ عام 1945، وأن عدم القدرة على تقديم الإثبات أدى إلى فقدان الحق في الجنسية بالنسبة إلى أعداد كبيرة منهم.
وهنا يظهر أحد أهم الاختلالات البنيوية في العملية: الدولة التي كانت تملك السجلات والوثائق والإدارة والأجهزة الأمنية والإدارية وضعت المواطن في موقع من عليه أن يثبت انتماءه القانوني للدولة خلال عملية استثنائية ومحددة زمنيا. وبالتالي لم يعد السجل المدني مجرد وسيلة لإثبات المواطنة، وإنما تحول إلى أداة لإعادة تعريفها.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن التطبيق كان تعسفيا في حالات متعددة، حتى إن أفرادا من الأسرة الواحدة، ولدوا في القرية نفسها، تعرضوا لتصنيفات مختلفة؛ فأصبح الأب «أجنبيا» بينما بقي أحد أبنائه مسجلا كمواطن سوري. كما أقرت الحكومة السورية، في إفادة نقلتها هيومن رايتس ووتش، بوجود أخطاء في نتائج الإحصاء شملت تسجيل أشخاص من أصل سوري كأجانب وتسجيل آخرين لم تكن لهم الجنسية السورية كمواطنين.
وهذه النقطة لا تعني فقط وجود أخطاء إدارية عابرة؛ فالخطأ في هذا النوع من العمليات لا ينتج مجرد خطأ في رقم إحصائي، وإنما قد ينتج فقدان الجنسية والحقوق المرتبطة بها.
المادة السادسة: اللحظة التي انتقل فيها الإحصاء من تعداد السكان إلى فرز المواطنة
تعتبر المادة السادسة، وفقا للنص المنشور للمرسوم، من أهم المواد في فهم طبيعة العملية، لأنها نصت على أنه عند انتهاء الإحصاء تشكل لجنة عليا بمرسوم جمهوري لدراسة النتائج وتقرير تثبيتها في سجلات الأحوال المدنية الجديدة أو عدمه.
هذه العبارة القصيرة تحمل دلالة سياسية وقانونية كبيرة. فلو كان الهدف مجرد تعداد السكان، لكان انتهاء عملية الإحصاء كافيا، ثم تُنشر النتائج باعتبارها أرقاما سكانية. أما عندما تصبح نتيجة الإحصاء مدخلا إلى تقرير تثبيت الشخص في سجل الأحوال المدنية أو عدم تثبيته، فإن العملية تتحول من معرفة السكان إلى إعادة تصنيفهم قانونيا.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة المباشرة بين إحصاء 5 تشرين الأول 1962 وبين ظهور فئتين رئيسيتين من الكورد الذين فقدوا الجنسية السورية: فئة سجلت في قيود خاصة بوصفها «أجانب» داخل سوريا، وفئة أخرى لم تسجل أصلا في السجلات المدنية وأصبحت تعرف لاحقا باسم «مكتومي القيد». وتؤكد تقارير حقوقية دولية أن من لم يتمكنوا من تقديم الوثائق المطلوبة أو لم يشاركوا في الإحصاء دخلوا في فئة غير المسجلين، بينما صنف آخرون كـ«أجانب».
تجريد الكورد من الجنسية: النتيجة التي تجاوزت حدود الإحصاء
النتيجة الأكثر خطورة لم تكن في الأرقام التي أنتجها الإحصاء، وإنما في تغيير الوضع القانوني لعشرات الآلاف من السكان الكورد الذين كانوا يعيشون في سوريا. وتقدر هيومن رايتس ووتش أن نحو 120 ألف كردي سوري، أي ما يقارب 20% من مجموع الكورد السوريين آنذاك، جُردوا من جنسيتهم نتيجة الإحصاء الاستثنائي. كما تشير مصادر حقوقية ودولية أخرى إلى تقديرات تقارب 150 ألفا في سياقات مختلفة، الأمر الذي يعكس اختلاف التقديرات التاريخية والإحصائية، لكنه لا يغير حقيقة أن العملية أدت إلى تجريد كتلة سكانية كبيرة من جنسيتها.
وهنا يجب التوقف عند التعبير الأدق: الإحصاء لم يسحب الجنسية من أفراد ثبت أنهم دخلوا حديثا إلى سوريا بقرار قضائي فردي مستقل، وإنما أنتج، عبر عملية جماعية استثنائية، كتلة كبيرة من السكان الكورد الذين أصبحوا خارج المواطنة السورية أو داخل تصنيف «الأجانب» رغم ولادتهم وإقامتهم في سوريا. وتؤكد هيومن رايتس ووتش أن معظم هؤلاء كانوا من الكورد السوريين المولودين في سوريا، وأن آثار التجريد امتدت إلى أبنائهم وأحفادهم.
وبذلك لم يكن أثر المرسوم محصورا في الجيل الذي عاش عام 1962. فقد أصبح الوضع القانوني ينتقل عبر الأجيال، وتحول قرار إداري اتخذ في لحظة واحدة إلى بنية قانونية واجتماعية ممتدة لعقود.
لماذا كان تجريد الجنسية ذا أثر ديموغرافي؟
هنا نصل إلى جوهر القضية التي ينبغي أن تحتل موقعا مركزيا في الدراسة: الجنسية ليست مجرد وثيقة شخصية؛ وفي الحالة الكوردية في سوريا أصبحت أداة تؤثر في البنية الديموغرافية نفسها.
فحين يُجرد عشرات الآلاف من أبناء جماعة قومية معينة من الجنسية، فإن الدولة لا تسحب منهم وثيقة فحسب، بل تضعف قدرتهم القانونية على تثبيت وجودهم داخل منظومة الدولة. يصبح الفرد أقل قدرة على تسجيل الملكية، والحصول على الوثائق، وتثبيت الزواج والولادات، والوصول إلى بعض الخدمات والحقوق، والسفر، والمشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والمدنية. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش مجموعة واسعة من هذه الآثار على الكورد المجردين من الجنسية وأبنائهم.
ومن الناحية الديموغرافية، فإن هذا النوع من السياسات يؤدي إلى نتيجة أعمق: تقليص الحضور القانوني لجماعة سكانية داخل الإقليم الذي تشكل فيه أغلبية أو كتلة سكانية كبيرة. فالديموغرافيا لا تتعلق فقط بعدد الأشخاص الموجودين فعليا في منطقة ما، وإنما أيضا بكيفية اعتراف الدولة بهذا الوجود في سجلاتها وقوانينها ومؤسساتها.
وهكذا يمكن فهم إحصاء 1962 باعتباره مرحلة في عملية أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين الأرض والسكان والدولة في الجزيرة السورية.
الإحصاء ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل الجزيرة
لا يمكن إثبات علميا أن المرسوم رقم 93 نفسه كتب صراحة أن هدفه «تغيير ديموغرافية الكورد»، ولذلك ينبغي ألا ننسب هذه العبارة إلى نص المرسوم. لكن وضع المرسوم ضمن سياقه التاريخي اللاحق يكشف صورة أوسع بكثير.
فهيومن رايتس ووتش وصفت إحصاء 1962 بأنه كان أحد مكونات خطة أوسع لتعريب شمال شرق سوريا، وهي منطقة غنية بالموارد الزراعية والطبيعية وتضم أكبر تجمع للسكان غير العرب في سوريا آنذاك. كما ربطت المنظمة بين تجريد الجنسية من جهة وبين مشروع «الحزام العربي» الذي بدأ تنفيذه لاحقا على طول الحدود السورية التركية من جهة أخرى.
وبالتالي فإن أهمية إحصاء 1962 لا تكمن فقط في أنه أنتج فئة «أجانب الحسكة» و«مكتومي القيد»، بل في أنه ساهم في إضعاف البنية القانونية لوجود الكورد في المنطقة قبل أن تتطور سياسات أخرى تتعلق بالأرض والاستيطان وإعادة توزيع السكان.
وهنا يصبح التسلسل التاريخي شديد الدلالة: تبدأ العملية بفحص الوجود القانوني للسكان، ثم ينتج عنها تجريد قسم منهم من الجنسية، ثم تأتي لاحقا سياسات مرتبطة بالأرض وإعادة توزيع السكان وتغيير أسماء القرى والمناطق وإسكان مجموعات عربية في الشريط الحدودي. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش لاحقا مشروع «الحزام العربي» بوصفه جزءا من سياسة أوسع لتعريب المنطقة الكوردية في شمال شرق سوريا.
من تغيير صفة الإنسان إلى تغيير علاقة الإنسان بالأرض
تكمن خطورة المشروع في أن الجنسية والأرض والديموغرافيا ليست ملفات منفصلة. فعندما يفقد الإنسان صفته القانونية الكاملة، تصبح علاقته بالأرض والمؤسسات والاقتصاد أكثر هشاشة. وعندما تتزامن عملية نزع الجنسية مع إعادة توزيع الأراضي وإعادة توطين السكان، فإن النتيجة لا تعود مجرد تمييز قانوني، وإنما تصبح عملية لإعادة تركيب العلاقة بين السكان والإقليم.
ولهذا فإن إحصاء 1962 يجب أن يُقرأ كجزء من تاريخ أطول من سياسات التعامل مع الوجود الكوردي في سوريا، وليس كحادثة إدارية منفصلة انتهت بمجرد انتهاء اللجان من أعمالها. فالإحصاء أنتج واقع «المواطن» و«الأجنبي» و«المكتوم»، بينما جاءت سياسات لاحقة لتتعامل مع الأرض والسكان على أساس هذا الواقع الجديد.
ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن فهم البعد الديموغرافي: الهدف لم يكن بالضرورة إفراغ المنطقة من الكورد في يوم واحد، وإنما إعادة إنتاج البيئة القانونية والسياسية التي تجعل الوجود الكوردي أقل قدرة على حماية نفسه بوصفه وجودا سكانيا وحقوقيا أصيلا، بالتوازي مع سياسات أخرى تستهدف إعادة توزيع السكان والأرض.
المفارقة الكبرى: إحصاء يوم واحد وآثار امتدت لأجيال
ربما تكمن أقسى مفارقات إحصاء الحسكة في أن العملية نفسها استغرقت يوما واحدا، لكن نتائجها لم تستمر يوما واحدا. فقد تحولت ساعات الإحصاء إلى عقود من انعدام الجنسية، ثم انتقلت آثارها إلى أبناء الأشخاص الذين جردوا منها.
وتوضح المصادر الحقوقية أن عدد الأشخاص المتأثرين توسع عبر الأجيال نتيجة انتقال وضع انعدام الجنسية إلى الأبناء، بحيث ارتفع العدد التقديري للأشخاص المتأثرين بصورة كبيرة خلال العقود التالية. وفي بعض التقديرات بلغ عدد الكورد المجردين من الجنسية أو المتأثرين بوضع انعدام الجنسية مئات الآلاف قبل الإجراءات التي اتخذتها الدولة عام 2011.
وهكذا أنتج القرار الإداري ظاهرة ديموغرافية معاكسة: الدولة لم تعد تسجل جماعة من سكانها بالطريقة نفسها التي تسجل بها بقية السكان، ثم أدى عدم الاعتراف القانوني الكامل إلى تكاثر الأجيال التي تعيش في الإقليم نفسه دون أن تتمتع بالوضع المدني نفسه.
وهذا هو جوهر المأساة: أن الإنسان الذي ولد في الحسكة، وعاش فيها، وتزوج فيها، وأنجب أبناءه فيها، وجد نفسه في مواجهة نظام قانوني يعتبره «أجنبيا» أو غير مسجل، لا لأنه قدم من دولة أخرى بالضرورة، وإنما نتيجة لتصنيف نشأ من عملية إحصائية استثنائية.
بين الذريعة القانونية والنتيجة السياسية
قدمت السلطات السورية الإحصاء في إطار معالجة مشكلة من اعتبرتهم الدولة «متسللين» أو أشخاصا دخلوا إلى سوريا من تركيا بصورة غير قانونية، وكانت الحجة الرسمية تدور حول تنقية السجلات المدنية وإعادة تنظيمها بحيث تشمل من يمكن إثبات جنسيته السورية. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش هذا التبرير من خلال رد الحكومة السورية، بما في ذلك حديثها عن «المتسللين الأجانب» وعن ضرورة تنقية السجلات.
لكن المشكلة التاريخية لا تُقاس بالذريعة وحدها، وإنما أيضا بالطريقة التي طبقت بها العملية وبالنتائج التي أنتجتها. فإذا كانت الغاية هي معالجة حالات دخول غير قانوني، كان من المفترض أن يجري التحقيق بصورة فردية، وأن يتمكن كل شخص من الدفاع عن وضعه القانوني أمام جهة مستقلة، وأن يكون فقدان الجنسية قرارا فرديا قابلا للطعن القضائي الفعال. لكن ما حدث كان عملية جماعية استثنائية شملت سكان محافظة بأكملها خلال يوم واحد، وأدت إلى تصنيف أعداد كبيرة من الكورد في فئات قانونية مختلفة.
ولهذا فإن تقييم إحصاء 1962 لا ينبغي أن يعتمد فقط على ما أعلنته السلطة عن غايته، بل على النتائج الواقعية التي أنتجها وعلى السياق السياسي والديموغرافي الذي جاء فيه.
الإحصاء كحلقة في مشروع تغيير ديموغرافي
إذا جمعنا عناصر الصورة، يصبح من الممكن تقديم استنتاج أكثر قوة واحتياطا في الوقت نفسه: إحصاء الحسكة لعام 1962 كان أداة مركزية في عملية إعادة تشكيل الوضع القانوني والديموغرافي للكورد في شمال شرق سوريا، وقد أدى إلى تجريد نسبة كبيرة من الكورد من الجنسية السورية، ثم جاء ضمن سياق أوسع من السياسات التي استهدفت إعادة تنظيم السكان والأرض والهوية في الجزيرة السورية.
ولا يعني ذلك أن المرسوم رقم 93 وحده كان «مشروع تغيير ديموغرافي» مكتمل العناصر؛ فهذا استنتاج يتجاوز النص الحرفي للمرسوم. لكن وضع المرسوم في سياق نتائجه وسياسات ما بعده يجعل من الصعب فصل نزع الجنسية عن المشروع الأوسع لإعادة تشكيل الجزيرة، خصوصا أن مصادر حقوقية بارزة وصفت الإحصاء نفسه بأنه أحد عناصر خطة أوسع لتعريب المنطقة.
وبهذا المعنى، فإن أخطر ما فعله المرسوم لم يكن مجرد تغيير أرقام في دفاتر الإحصاء، وإنما إعادة تعريف جزء من سكان منطقة كوردية على أنهم خارج الجماعة القانونية للمواطنين. وعندما يترافق هذا الإقصاء القانوني مع سياسات لاحقة متصلة بالأرض وإعادة التوطين، فإن المسألة تتحول من قضية جنسية إلى قضية تتصل بإعادة هندسة العلاقة بين السكان والأرض والدولة.
إرث 1962: الجنسية كأداة للصراع على الأرض والهوية
لم ينته أثر إحصاء 1962 بسقوط حكومة أو تغير رئيس أو تعديل قانون. لقد بقيت نتائجه حاضرة في المجتمع الكوردي السوري لعقود، وأنتجت طبقة من السكان عاشت داخل سوريا لكنها لم تتمتع بالصفة القانونية نفسها التي تمتع بها بقية المواطنين. ولهذا تحولت الجنسية من مسألة إدارية إلى إحدى أهم ساحات الصراع على الاعتراف بالوجود الكوردي.
وفي عام 2011 صدر المرسوم التشريعي رقم 49 الذي فتح باب منح الجنسية للمسجلين في فئة «أجانب الحسكة»، لكنه لم يحل المشكلة التاريخية بصورة شاملة، إذ بقيت قضية «مكتومي القيد» قائمة وفق التقارير الحقوقية، كما استمرت آثار عقود من انعدام الجنسية على الملكية والوثائق والزواج والتعليم والعمل وغيرها من مجالات الحياة.
ومن هنا يمكن القول إن إحصاء 1962 كان لحظة تأسيسية في تاريخ التمييز القانوني ضد الكورد في سوريا. فقد وضع الأساس القانوني الذي سمح بإخراج جزء من الكورد من سجل المواطنة، ثم سمح تراكم النتائج بتحويل هذا الإخراج القانوني إلى واقع اجتماعي وديموغرافي طويل الأمد.
لم يكن السؤال كم عدد سكان الحسكة، بل من يحق له أن يكون مواطنا فيها
إن قراءة المرسوم التشريعي رقم 93 لعام 1962 باعتباره مجرد تشريع لتنفيذ إحصاء سكاني تقليدي تظل قراءة ناقصة. فالنص نفسه يربط الإحصاء بسجلات الأحوال المدنية الجديدة، ويمنح لجانا إدارية صلاحية تقرير تثبيت القيود أو عدم تثبيتها، ثم جاءت نتائج التطبيق لتجرد أعدادا كبيرة من الكورد من الجنسية السورية. وتشير المصادر الحقوقية إلى أن نحو 120 ألف كردي، وفق أحد التقديرات الأكثر توثيقا، فقدوا جنسيتهم نتيجة العملية، فيما استمرت آثارها وتوسعت عبر الأجيال.
ومن ثم فإن القيمة التاريخية لإحصاء 1962 لا تكمن في كونه «إحصاءً فاشلا» أو «عملية إدارية شابتها أخطاء» فحسب، وإنما في أنه حوّل الجنسية إلى أداة لإعادة تصنيف سكان منطقة كوردية، وجعل الاعتراف القانوني بالإنسان مرتبطا بعملية استثنائية ذات سقف زمني شديد الضيق، ثم أنتج واقعا قانونيا جديدا استُخدم لاحقا داخل سياق أوسع من سياسات إعادة تشكيل الجزيرة السورية.
وعندما نضع تجريد الجنسية إلى جانب سياسات الأرض وإعادة التوطين التي ظهرت لاحقا، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحا: لم يكن استهداف الوجود الكوردي محصورا في الثقافة أو اللغة أو الهوية السياسية، بل طال الإنسان بوصفه مواطنا، والأرض بوصفها مجالا للسكن والاستقرار، والسجل المدني بوصفه أداة اعتراف الدولة بالوجود. ولهذا فإن إحصاء الحسكة لعام 1962 يستحق أن يُدرس ليس باعتباره حادثة إحصائية عابرة، وإنما باعتباره إحدى أهم الحلقات في تاريخ إعادة تشكيل البنية السكانية والقانونية والسياسية للمناطق الكوردية في سوريا.
والصياغة الأدق لموقف الدراسة هي: إن إحصاء 1962 لم يكن في نصه المعلن مشروعا صريحا لتغيير ديموغرافية الكورد، لكنه أدى عمليا إلى تجريد نسبة كبيرة من الكورد من الجنسية، وأصبح أحد المكونات الأساسية لمشروع أوسع لإعادة تشكيل البنية الديموغرافية والقانونية للجزيرة السورية؛ وهذه النتيجة تصبح أقوى عندما تُقرأ مع السياسات التي تلته، ولا سيما سياسات إعادة توزيع الأراضي والاستيطان المعروفة لاحقا بمشروع الحزام العربي.
إن قراءة المرسوم التشريعي رقم 93 لعام 1962 باعتباره مجرد تشريع لتنفيذ إحصاء سكاني تقليدي تظل قراءة ناقصة. فالنص نفسه يربط الإحصاء بسجلات الأحوال المدنية الجديدة، ويمنح لجانا إدارية صلاحية تقرير تثبيت القيود أو عدم تثبيتها، ثم جاءت نتائج التطبيق لتجرد أعدادا كبيرة من الكورد من الجنسية السورية. وتشير المصادر الحقوقية إلى أن نحو 120 ألف كردي، وفق أحد التقديرات الأكثر توثيقا، فقدوا جنسيتهم نتيجة العملية، فيما استمرت آثارها وتوسعت عبر الأجيال.
ومن ثم فإن القيمة التاريخية لإحصاء 1962 لا تكمن في كونه «إحصاءً فاشلا» أو «عملية إدارية شابتها أخطاء» فحسب، وإنما في أنه حوّل الجنسية إلى أداة لإعادة تصنيف سكان منطقة كوردية، وجعل الاعتراف القانوني بالإنسان مرتبطا بعملية استثنائية ذات سقف زمني شديد الضيق، ثم أنتج واقعا قانونيا جديدا استُخدم لاحقا داخل سياق أوسع من سياسات إعادة تشكيل الجزيرة السورية.
وعندما نضع تجريد الجنسية إلى جانب سياسات الأرض وإعادة التوطين التي ظهرت لاحقا، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحا: لم يكن استهداف الوجود الكوردي محصورا في الثقافة أو اللغة أو الهوية السياسية، بل طال الإنسان بوصفه مواطنا، والأرض بوصفها مجالا للسكن والاستقرار، والسجل المدني بوصفه أداة اعتراف الدولة بالوجود. ولهذا فإن إحصاء الحسكة لعام 1962 يستحق أن يُدرس ليس باعتباره حادثة إحصائية عابرة، وإنما باعتباره إحدى أهم الحلقات في تاريخ إعادة تشكيل البنية السكانية والقانونية والسياسية للمناطق الكوردية في سوريا.
والصياغة الأدق لموقف الدراسة هي: إن إحصاء 1962 لم يكن في نصه المعلن مشروعا صريحا لتغيير ديموغرافية الكورد، لكنه أدى عمليا إلى تجريد نسبة كبيرة من الكورد من الجنسية، وأصبح أحد المكونات الأساسية لمشروع أوسع لإعادة تشكيل البنية الديموغرافية والقانونية للجزيرة السورية؛ وهذه النتيجة تصبح أقوى عندما تُقرأ مع السياسات التي تلته، ولا سيما سياسات إعادة توزيع الأراضي والاستيطان المعروفة لاحقا بمشروع الحزام العربي.
نص المرسوم التشريعي رقم 93 لعام 1962 وقع عليه الرئيس ناظم القدسي ورئيس الوزراء بشير العظمة وتم تنفيذ الاحصاء في 5 ت1 1962، يتألف من 24 مادة:






