الحزام العربي في الجزيرة السورية: مشروع بعثي لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي الكوردي

آدمن الموقع
0
  الحزام العربي في الجزيرة السورية: مشروع بعثي لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي الكوردي
إعداد المادة:
المكتب الإعلامي لمنظمة الجيوستراتيجي للمجتمع المدني الكوردي
 
الجزيرة السورية قبل مشروع الحزام العربي
كانت منطقة الجزيرة السورية، ولا سيما محافظة الحسكة، تضم قبل ستينيات القرن العشرين مجتمعا كورديا متجذرا في المنطقة إلى جانب مكونات صغيرة ( عرب وسريان ) وغيرها. ولم يكن الوجود الكوردي في الجزيرة نتاجا لسياسات سكانية حديثة، بل كان جزءا من تاريخ المنطقة الاجتماعي والاقتصادي الممتد قبل قيام الدولة السورية الحديثة.
غير أن العلاقة بين الدولة السورية والمجتمع الكوردي دخلت منذ خمسينيات القرن العشرين مرحلة جديدة اتسمت بتصاعد السياسات القومية العربية وتقييد مظاهر الهوية الكوردية. ومع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، انتقلت هذه السياسات إلى مرحلة أكثر تنظيما، وبدأت مجموعة من الإجراءات القانونية والإدارية والزراعية والسكانية تتقاطع في ما بينها، لتؤثر بصورة مباشرة في الوضع القانوني والديموغرافي للأهالي الكورد في الجزيرة. وتوثق منظمة هيومن رايتس ووتش أن الحكومات السورية المتعاقبة منذ خمسينيات القرن العشرين اتبعت سياسات قيدت الحقوق السياسية والثقافية للكورد، وأن هذه السياسات اتخذت في بعض مراحلها طابعا يرتبط بإعادة تنظيم التركيبة السكانية في المناطق الكوردية.
 
إحصاء عام 1962 وبداية المساس بالوجود القانوني للكورد

يمثل الإحصاء الاستثنائي الذي أجرته السلطات السورية في محافظة الحسكة عام 1962 إحدى أهم المحطات التي سبقت مشروع الحزام العربي. فقد أدى الإحصاء إلى تجريد عشرات الآلاف من الكورد من الجنسية السورية، وتقدر هيومن رايتس ووتش عدد من حرموا منها آنذاك بنحو 120 ألف شخص. وبذلك وجد قسم من السكان الكورد أنفسهم أمام وضع قانوني استثنائي حرمهم من حقوق أساسية مرتبطة بالمواطنة والملكية والعمل والتنقل وغيرها.
ولم يكن أثر هذه العملية قانونيا فقط، إذ ارتبطت مسألة الجنسية بصورة مباشرة بالأرض والملكية. فقد أشارت المصادر إلى أن بعض الأراضي الزراعية جرى الاستيلاء عليها أو وضعها تحت سيطرة الدولة في حالات كان أصحابها قد فقدوا جنسيتهم نتيجة إحصاء 1962، الأمر الذي جعل فقدان الجنسية جزءا من سلسلة أوسع أثرت في العلاقة بين السكان الكورد وأراضيهم.
ومن هنا يمكن فهم إحصاء 1962 باعتباره إحدى حلقات إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والسكان في الجزيرة، وليس حدثا إداريا معزولا عن التحولات اللاحقة التي شهدتها المنطقة.
 
محمد طلب هلال والدعوة إلى إعادة تنظيم الجزيرة

في عام 1963 أعد رئيس شعبة الأمن السياسي في الحسكة محمد طلب هلال دراسة حملت عنوان «دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية». وقد تناولت الدراسة وضع المنطقة من منظور قومي وأمني، وقدمت مجموعة من المقترحات المتعلقة بالسكان والأرض والهوية والعلاقة بين الدولة وسكان الجزيرة.
أهمية هذه الدراسة لا تكمن فقط في مضمون المقترحات التي وردت فيها، وإنما في كونها ظهرت في مرحلة بدأت فيها الدولة السورية بإعادة النظر في طبيعة الجزيرة من منظور أمني وقومي. وقد أصبحت بعض الأفكار التي طرحت في تلك المرحلة جزءا من النقاش والسياسات اللاحقة المتعلقة بالسكان والأرض والحدود الشمالية.
ومن الضروري التمييز هنا بين دراسة محمد طلب هلال وبين مشروع الحزام العربي الذي أخذ لاحقا شكلا إداريا وزراعيا وسكانيا أكثر وضوحا. فالدراسة كانت وثيقة تصور ومقترحات، بينما جاءت السياسات اللاحقة في صورة إجراءات وقوانين ومشاريع وإعادة توزيع للسكان والأراضي.
 
من الإصلاح الزراعي إلى السيطرة على الأرض

شهدت الجزيرة السورية خلال العقود التي تلت الاستقلال تحولات كبيرة في ملكية الأرض نتيجة قوانين الإصلاح الزراعي وسياسات الدولة المتعلقة بالأراضي الزراعية. غير أن تطبيق هذه السياسات في المناطق الكوردية تداخل مع نتائج إحصاء 1962 ومع الإجراءات التي استهدفت بعض ملاك الأراضي الكورد.
وتشير دراسة الباحثة ميريام عبابسة حول توزيع الأراضي في الجزيرة السورية إلى أن العقود الممتدة من أواخر خمسينيات القرن العشرين حتى السنوات اللاحقة شهدت تحولات عميقة في ملكية الأرض وإدارتها، وأن سياسة الحزام العربي جاءت ضمن تاريخ أطول من الإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الأراضي والتدخل الحكومي في البنية الزراعية للجزيرة.
وبذلك لم يكن الصراع على الأرض منفصلا عن الصراع على السكان. فالأرض الزراعية في الجزيرة كانت تمثل أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، والسيطرة عليها أو إعادة توزيعها كانت تعني في الوقت نفسه التأثير في قدرة المجتمعات المحلية على الحفاظ على وجودها واستقرارها.
 
خطة الحزام العربي عام 1965

في عام 1965 ظهرت بصورة أكثر وضوحا خطة إنشاء ما عرف لاحقا باسم «الحزام العربي». وتوثق هيومن رايتس ووتش أن الخطة الحكومية كانت تتصور إقامة شريط بعمق يقارب 15 كيلومترا على امتداد نحو 280 كيلومترا من الحدود مع تركيا، مع نقل سكان كورد من قرى تقع ضمن المنطقة إلى مناطق أخرى داخل سوريا وإسكان عرب مكانهم.
وهنا تظهر أهمية الخطة باعتبارها انتقالا من سياسات قانونية وإدارية متفرقة إلى تصور جغرافي وسكاني يرتبط مباشرة بالحدود الشمالية. فقد أصبحت المسألة لا تتعلق فقط بالحقوق المدنية للكورد، وإنما بإعادة تنظيم المجال السكاني في منطقة حدودية ذات غالبية كوردية.
وتشير الوثائق التي درست هذه المرحلة إلى أن فكرة الحزام العربي ارتبطت بمفهوم أوسع للأمن القومي كما فهمته السلطة آنذاك، وبمحاولة إعادة صياغة التركيبة السكانية على امتداد الحدود الشمالية. وتذكر هيومن رايتس ووتش أن الخطة تضمنت تصور نقل سكان كورد من المنطقة إلى الداخل السوري، وإن لم تنفذ الخطة بكامل الصورة التي طرحت بها في منتصف الستينيات.
 
تغيير اسم المشروع من الحزام العربي إلى المزارع النموذجية

خلال أوائل سبعينيات القرن العشرين انتقل المشروع إلى مرحلة التنفيذ العملي من خلال ما سمي «خطة إنشاء مزارع نموذجية في محافظة الجزيرة». وقد أدى استخدام المصطلح الزراعي والإداري الجديد إلى تقديم المشروع في صورة تنموية مرتبطة بالزراعة واستصلاح الأراضي، إلا أن التنفيذ الفعلي شمل إنشاء قرى جديدة وتوطين أسر عربية فيها ضمن مناطق ذات حضور كوردي واضح.
وبحسب هيومن رايتس ووتش، قامت الحكومة بإنشاء قرى زراعية نموذجية في المنطقة الكوردية وأسكنت فيها عربا، كما جرى الاستيلاء على أراض من ملاك كورد في إطار الإصلاح الزراعي أو نتيجة فقدان بعض المالكين لجنسيتهم بعد إحصاء 1962.
وهكذا أصبح المشروع مرتبطا بثلاثة عناصر متداخلة: الأرض، والسكان، والموقع الجغرافي. وهذه العناصر الثلاثة هي التي منحت المشروع أثرا يتجاوز حدود السياسة الزراعية التقليدية.
 
إعادة توطين فلاحي الغمر في قلب المنطقة الكوردية

بلغ المشروع مرحلة أكثر وضوحا في منتصف السبعينيات، خصوصا بعد إنشاء سد الطبقة ونقل آلاف الأسر العربية التي تضررت مناطقها نتيجة مشروع السد. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش إعادة توطين نحو 4 آلاف أسرة عربية في عام 1975 ضمن 41 مزرعة نموذجية أقيمت في قلب المنطقة الكوردية.
وتشير تقارير أخرى إلى أن عدد الأشخاص الذين نقلوا إلى مناطق الحزام العربي في الفترة 1974–1975 تجاوز 40 ألف شخص، وهو رقم ينسجم بصورة عامة مع تقدير نحو 4 آلاف أسرة، مع اختلاف المصادر في طريقة احتساب عدد الأسر والأفراد.
وهنا تكمن إحدى أهم النتائج الديموغرافية للمشروع: لم يكن الأمر مجرد بناء منشآت زراعية جديدة، بل إقامة تجمعات سكانية دائمة وإدخال سكان جدد إلى منطقة كانت تضم قرى وتجمعات كوردية مستقرة منذ عقود وأجيال.
 
لماذا كانت الأرض الكوردية هي المكان المختار؟

لا يمكن فصل اختيار مواقع هذه القرى عن موقع الجزيرة الجغرافي. فالمنطقة تمتد بمحاذاة الحدود السورية التركية، وكانت تاريخيا ذات غالبية كوردية، كما أنها ترتبط اجتماعيا واقتصاديا بمناطق كوردية أخرى في شمال سوريا وجنوب تركيا والعراق.
ولهذا فإن نقل سكان جدد إلى هذه المنطقة أحدث تغييرا في الخريطة السكانية، وفي الوقت نفسه خلق واقعا اجتماعيا جديدا داخل منطقة حدودية حساسة. وقد أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن أحد التفسيرات التي قدمها مهندس كوردي للسياسة تمثل في محاولة الفصل بين الكورد في سوريا والكورد في تركيا، إضافة إلى دفع بعض السكان الكورد نحو المدن، لكن هذا يبقى تفسيرا منسوبا إلى المصدر والشخص الذي أجرى معه الباحثون المقابلة، وليس حقيقة يمكن تعميمها دون تحفظ.
أما ما يمكن توثيقه بصورة أوضح فهو أن الدولة أقامت تجمعات عربية جديدة داخل المنطقة الكوردية، واستولت على أراض من ملاك كورد، ولم تعد الأوضاع إلى ما كانت عليه بعد وقف المشروع.
 
الامتداد الديموغرافي لمشروع الحزام العربي عبر خمسة عقود

إن تقييم أثر الحزام العربي لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الأسر التي نقلت في سبعينيات القرن العشرين. فالقرى التي أقيمت ضمن المشروع لم تكن تجمعات مؤقتة، وإنما أصبحت قرى مستقرة استمرت بعد توقف المشروع عام 1976. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش أن المشروع توقف في ذلك العام، لكن القرى التي أنشئت لم تفكك، كما لم تتم إعادة الكورد الذين نزعت منهم أراضيهم إلى أوضاعهم السابقة.
وهذا يعني أن الأثر الديموغرافي للمشروع استمر بعد توقف القرار الإداري نفسه. فالأسر التي نقلت في السبعينيات أصبحت أجيالا متعاقبة، وتوسعت الأسر، وولد أبناء وأحفاد في القرى الجديدة، وتحولت التجمعات التي أنشئت ضمن المشروع إلى جزء ثابت من الخريطة السكانية للجزيرة.
وتشير تقديرات وتقارير حديثة إلى أن عدد الأشخاص الذين نقلوا في المرحلة الأساسية من المشروع بلغ نحو 40 ألفا. وإذا أخذنا هذا الرقم بوصفه نقطة البداية السكانية للمشروع، فإن الحديث عن عدد السكان المنحدرين من تلك الأسر بعد خمسة عقود يتطلب دراسة ديموغرافية مستقلة تأخذ في الاعتبار معدلات الولادة والوفاة والهجرة وتوسع الأسر وتغير حجم كل قرية. ولا توجد، بحسب المصادر المتاحة، إحصائية رسمية حديثة تفصل بصورة دقيقة بين أحفاد الأسر التي نقلت في مشروع الحزام العربي وبين بقية السكان العرب في محافظة الحسكة. لذلك لا يمكن اعتماد رقم محدد، مثل 200 ألف شخص، بوصفه رقما إحصائيا نهائيا من دون دراسة ميدانية موثقة.
لكن من الناحية الديموغرافية، فإن استمرار القرى وتوارث السكان فيها على مدى نحو نصف قرن يعني أن الأثر السكاني للمشروع لا يمكن قياسه بعدد الأسر التي وصلت في 1974 و1975 فقط. كما أن تقديرات سكان محافظة الحسكة نفسها في السنوات الأخيرة تتراوح، بحسب المصدر والمنهج، حول 1.3 إلى 1.45 مليون نسمة، وهو ما يوضح حجم التحول السكاني العام الذي شهدته المحافظة منذ سبعينيات القرن الماضي.
وبالتالي فإن الرقم التاريخي البالغ نحو 40 ألف شخص يمثل حجم عملية إعادة التوطين في مرحلتها الأولى، وليس بالضرورة حجم السكان المنحدرين من تلك الأسر اليوم. أما تقديرات وصول عدد أحفاد وأبناء تلك الأسر إلى أكثر من 200 ألف، فهي تحتاج إلى توثيق ديموغرافي حديث قبل استخدامها كرقم قطعي. والأكثر دقة في البحث هو القول إن المشروع أوجد قاعدة سكانية جديدة استمرت لأكثر من خمسة عقود وتضاعف حجمها عبر النمو الطبيعي والهجرة والتوسع الأسري.
ومن هذه الزاوية، فإن الحزام العربي لا يمثل مجرد قرار إداري توقف عام 1976، بل عملية سكانية استمر جزء من نتائجها الاجتماعية والديموغرافية بعد توقف تنفيذ المشروع رسميا.
 
إيقاف المشروع عام 1976 من دون إعادة الوضع إلى ما كان عليه

في عام 1976 توقف مشروع الحزام العربي بصورته التنفيذية الأساسية، إلا أن التوقف لم يعن إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل المشروع. فالقرى التي أقيمت بقيت قائمة، والسكان الذين نقلوا إليها استمروا في الإقامة فيها، بينما لم تتم إعادة الأراضي إلى جميع أصحابها الكورد الذين فقدوها في سياق تلك السياسات.
وهذه النقطة أساسية عند دراسة النتائج بعيدة المدى للمشروع. فهناك فرق بين إيقاف سياسة جديدة وبين إلغاء نتائجها السابقة. وفي حالة الحزام العربي، استمر جزء كبير من الواقع الذي أنشأته الدولة خلال السنوات السابقة، الأمر الذي جعل آثار المشروع تمتد إلى العقود التالية.
 
تغيير أسماء المدن والقرى وتقييد الهوية الكوردية

ترافقت سياسات إعادة تنظيم الأرض والسكان مع سياسات استهدفت مظاهر الهوية الكوردية. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش فرض قيود على استخدام اللغة الكوردية والنشر والاحتفالات والمظاهر الثقافية، إلى جانب تغيير أسماء قرى وبلدات كوردية إلى أسماء ذات طابع عربي. وتشير المنظمة إلى أن هذه التغييرات جرت بصورة واسعة، وأن عددا كبيرا من أسماء القرى والمواقع الكوردية أعيدت تسميتها بقرارات إدارية.
وهكذا لم يقتصر التغيير على الأرض والسكان، بل طال أيضا الذاكرة الجغرافية للمكان. فالاسم الجغرافي ليس مجرد عنوان إداري، بل يمثل جزءا من التاريخ واللغة والهوية المحلية. وعندما يجري تغيير أسماء القرى والبلدات بالتوازي مع إعادة توزيع السكان والأراضي، تصبح العملية ذات أثر مركب يمس المجال المادي والرمزي في الوقت نفسه.
 
الحزام العربي بين الأمن القومي والتغيير الديموغرافي

قدمت السلطة السورية المشروع ضمن سياقات تتصل بالإصلاح الزراعي والأمن القومي وتنظيم الحدود وتطوير الزراعة، إلا أن دراسة الإجراءات التي رافقت التنفيذ تكشف أن المشروع أحدث أيضا تغييرا فعليا في التركيبة السكانية والجغرافية للمنطقة.
ومن الناحية البحثية، لا يحتاج إثبات الأثر الديموغرافي إلى افتراض نية واحدة خلف كل قرار. فالمعطيات الموثقة تكفي لإظهار سلسلة مترابطة من الإجراءات: حرمان عشرات الآلاف من الجنسية عام 1962، وضع الأراضي تحت سيطرة الدولة في حالات مختلفة، التخطيط لإقامة شريط سكاني جديد على الحدود، إنشاء القرى النموذجية، نقل آلاف الأسر العربية إلى المنطقة، استمرار هذه القرى بعد عام 1976، وعدم إعادة الوضع العقاري والسكان إلى ما كان عليه قبل المشروع.
ومن ثم فإن مصطلح «التغيير الديموغرافي» في دراسة الحزام العربي لا يستند فقط إلى خطاب سياسي لاحق، وإنما إلى نتائج سكانية وأرضية موثقة يمكن تتبعها تاريخيا.
 
هل كان مشروع الحزام العربي مجرد مشروع زراعي؟

إن وصف المشروع بأنه مجرد مشروع زراعي لا يفسر جميع عناصره. فالسياسة الزراعية كانت جزءا من آلية التنفيذ، لكن المشروع ارتبط أيضا بالأرض والحدود والسكان والهوية. فإقامة مزارع نموذجية في مناطق ذات غالبية كوردية، ونقل آلاف الأسر العربية إليها، والاستيلاء على أراض من ملاك كورد، واستمرار التجمعات الجديدة بعد توقف المشروع، كلها عناصر تجعل دراسة الحزام العربي مرتبطة بالتغيير الاجتماعي والديموغرافي إلى جانب الإصلاح الزراعي.
وتدعم دراسة ميريام عبابسة هذا الفهم الأوسع، إذ تضع سياسة الحزام العربي ضمن تاريخ التحولات الزراعية وتوزيع الأراضي في الجزيرة السورية، وتربطها بمراحل الإصلاح الزراعي وإعادة تنظيم ملكية الأرض منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين.
لذلك فإن قراءة الحزام العربي باعتباره مشروعا زراعيا فقط تؤدي إلى تجاهل جانب أساسي من نتائجه، بينما قراءته ضمن سياق العلاقة بين الأرض والسكان والهوية تكشف بصورة أكبر طبيعة التحول الذي أحدثه في الجزيرة.
 
الظلم الواقع على الكورد في الجزيرة

كان للكورد الذين تأثروا بهذه السياسات أنماط متعددة من الخسارة، بعضها قانوني وبعضها اقتصادي وبعضها اجتماعي وديموغرافي. فقد أدى فقدان الجنسية بالنسبة إلى عشرات الآلاف إلى وضع قانوني استثنائي، بينما أدت سياسات الأرض إلى فقدان بعض المالكين الكورد لأراضيهم أو إلى انتقال السيطرة عليها إلى الدولة، ثم جاءت مشاريع إعادة التوطين لتضيف بعدا سكانيا جديدا إلى المشهد.
كما أن القيود المفروضة على اللغة والثقافة والأسماء الجغرافية أثرت في قدرة المجتمع الكوردي على التعبير العلني عن هويته. ولذلك فإن دراسة الحزام العربي لا ينبغي أن تحصر الخسارة في قيمة الأراضي المصادرة أو عدد القرى التي أنشئت، بل يجب أن تشمل أيضا الآثار القانونية والثقافية والاجتماعية التي تراكمت خلال عقود.
  
مشروع أعاد هندسة جزء من الجزيرة السورية

تكشف دراسة الحزام العربي في الجزيرة السورية عن عملية تاريخية متعددة المراحل بدأت قبل إنشاء القرى النموذجية بسنوات طويلة. فقد جاء إحصاء 1962 ليحدث تغييرا عميقا في الوضع القانوني لعشرات الآلاف من الكورد، ثم ظهرت في عام 1963 دراسة محمد طلب هلال التي عكست النظرة الأمنية والقومية إلى الجزيرة، وتبعتها تحولات في ملكية الأرض وإدارتها، قبل أن تظهر خطة الحزام العربي في منتصف الستينيات، ثم تنتقل إلى التنفيذ خلال السبعينيات تحت مسمى المزارع النموذجية.
وفي منتصف السبعينيات وصلت العملية إلى مرحلة إعادة توطين آلاف الأسر العربية في 41 قرية ومزرعة نموذجية داخل المنطقة الكوردية. وقد بلغ عدد الأشخاص الذين نقلوا في تلك المرحلة نحو 40 ألفا وفقا للتقديرات المتاحة. وبعد توقف المشروع عام 1976 لم تتم إزالة القرى التي أقيمت، ولم يعد الوضع السكاني والعقاري إلى ما كان عليه قبل المشروع. وبذلك استمر جزء من الأثر الديموغرافي والاجتماعي عبر الأجيال اللاحقة.
إن أهمية الحزام العربي في التاريخ الحديث للجزيرة السورية تكمن تحديدا في هذا التراكم. فالمشروع لم يكن حدثا منفردا في عام واحد، وإنما سلسلة من السياسات التي مست الجنسية والأرض والسكان والهوية والأسماء الجغرافية، وأنتجت واقعا استمر جزء منه بعد توقف المشروع رسميا.
ومن منظور تاريخي وديموغرافي، فإن دراسة الحزام العربي اليوم تحتاج إلى الانتقال من الأرقام العامة إلى دراسة تفصيلية لكل قرية من القرى التي أنشئت في تلك المرحلة، تشمل عدد الأسر التي نقلت إليها، وأسماء العائلات، ومساحات الأراضي، وأسماء المالكين السابقين، وتطور عدد السكان عبر العقود، وحجم الهجرة والولادات والوفيات. مثل هذه الدراسة يمكن أن تقدم صورة أكثر دقة عن الحجم الحقيقي للأثر الذي تركته تلك السياسة في البنية السكانية للجزيرة السورية.
وعليه، فإن الرقم التاريخي لنحو 40 ألف شخص يمثل نقطة البداية المعروفة لعملية إعادة التوطين، بينما يمثل الامتداد السكاني عبر خمسة عقود أحد أهم الجوانب التي تحتاج إلى بحث ديموغرافي مستقل. أما القول بأن عدد أحفاد تلك الأسر تجاوز 200 ألف، فيبقى تقديرا يحتاج إلى توثيق إحصائي مباشر قبل اعتماده كرقم نهائي.
إن الحزام العربي، بهذا المعنى، يشكل إحدى أبرز القضايا التي يجب أن تدرس عند بحث تاريخ الكورد في سوريا، ليس فقط باعتباره سياسة من سياسات مرحلة البعث، بل باعتباره تجربة طويلة الأمد في إعادة تنظيم العلاقة بين السكان والأرض والحدود والهوية في الجزيرة السورية.
 
المراجع الأساسية
 
Human Rights Watch, Syria: The Silenced Kurds, 1996. توثق الدراسة إحصاء 1962، ومشروع الحزام العربي، وإنشاء 41 قرية ومزرعة نموذجية، وإعادة توطين الأسر العربية، وتوقف المشروع عام 1976.
Human Rights Watch, Group Denial: Repression of Kurdish Political and Cultural Rights in Syria, 2009. من أهم المصادر الحقوقية التي توثق خطة الحزام العربي، إحصاء 1962، نقل نحو 4 آلاف أسرة عربية إلى 41 مزرعة نموذجية، ومصادرة الأراضي وتغيير أسماء القرى.
Myriam Ababsa, “Fifty Years of State Land Distribution in the Syrian Jazira: Agrarian Reform, Agrarian Counter-reform, and the Arab Belt Policy (1958–2008).” دراسة أكاديمية تبحث تاريخ توزيع الأراضي والإصلاح الزراعي وسياسة الحزام العربي في الجزيرة السورية.
Human Rights Watch, Syria: The Silenced Kurds, 1992. يتناول حرمان الكورد من الجنسية وسياسات إعادة التوطين التي رافقت مشروع الحزام العربي.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!