اغتيال الثقافة الكوردية... عندما تتحول الأحزاب إلى أوصياء على الفكر

آدمن الموقع
1
بقلم: إبراهيم مصطفى (كابان) 
هناك حقيقة لا يمكن القفز فوقها عند الحديث عن مستقبل أي أمة، وهي أن الثقافة ليست نشاطًا ترفيهيًا، ولا مساحةً لتبادل القصائد وإقامة الندوات، وإنما هي العقل الذي يفكر، والضمير الذي يراقب، والذاكرة التي تحفظ هوية الشعوب من الضياع. فالجيوش قد تحمي الحدود، والسياسيون قد يديرون السلطة، لكن الثقافة وحدها هي التي تصنع الإنسان القادر على حماية وطنه، وصيانة لغته، والدفاع عن قضيته. 
ولهذا السبب، لم تكن الثقافة يومًا بعيدة عن الصراع على النفوذ. فمنذ أن أدركت الأنظمة الشمولية والأحزاب العقائدية أن السيطرة على المثقف أكثر فاعلية من السيطرة على الشارع، بدأت معركة أخرى أقل ضجيجًا، لكنها أشد خطرًا؛ معركة إخضاع الفكر، وتوجيه الثقافة، وتحويلها من قوة نقدية مستقلة إلى أداة تبرر السياسات وتعيد إنتاج الخطاب الحزبي. 
وإذا كان الشعب الكوردي قد عانى لعقود طويلة من محاولات مصادرة لغته وتاريخه وهويته، فإنه يواجه اليوم تحديًا من نوع آخر، لا يأتي من الخارج فحسب، بل يتسلل إلى الداخل أيضًا، ويتمثل في تسييس الثقافة وإخضاعها للاستقطاب الحزبي، حتى أصبحت الثقافة، في كثير من الأحيان، امتدادًا للصراع السياسي، بدل أن تكون المساحة التي تلتقي فيها العقول وتتجاوز الانقسامات. 
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس تعدد المؤسسات الثقافية، بل فقدان الثقافة لاستقلالها، وتحولها إلى ساحة تتنافس فيها الأحزاب على النفوذ والتمثيل، بينما يتراجع دورها الحقيقي في إنتاج المعرفة وصناعة الوعي. 

الثقافة ليست ذراعًا للحزب

من الطبيعي أن تمتلك الأحزاب وسائل إعلام، ومنابر سياسية، ومؤسسات تنظيمية تعبر عن برامجها ورؤيتها. فالعمل السياسي بطبيعته يقوم على المنافسة والإقناع وحشد الأنصار. لكن ما ليس طبيعيًا هو أن تمتد هذه الهيمنة إلى المجال الثقافي، وأن يصبح المثقف جزءًا من البنية التنظيمية للحزب، لا صوتًا حرًا للمجتمع. 
فالثقافة، في جوهرها، لا تنتمي إلى حزب، لأنها بطبيعتها فضاء للحوار، والنقد، والإبداع، والتعدد. وهي تفقد معناها عندما تُختزل في خطاب أيديولوجي، أو تتحول إلى وسيلة للدفاع عن مواقف سياسية مسبقة. 
المثقف ليس موظفًا لدى الحزب، والكاتب ليس ناطقًا باسمه، والشاعر ليس مسؤولًا عن تزيين الخطاب السياسي بالمجازات اللغوية. وظيفة المثقف هي مساءلة الجميع، ونقد الجميع، والدفاع عن الحقيقة كما يراها، لا كما تُفرض عليه. وعندما يفقد المثقف هذه المسافة الضرورية بينه وبين السلطة، أيًّا كانت طبيعتها، فإنه يفقد أهم ما يمنحه قيمته، وهو استقلاله الفكري. 

حزبة الثقافة... حين يصبح الفكر تابعًا للتنظيم

ربما لا توجد عبارة تختصر الأزمة الحالية أكثر من عبارة "حزبة الثقافة". فبدل أن تتجه الأحزاب إلى دعم الثقافة بوصفها فضاءً مستقلًا، اتجهت إلى صناعة ثقافة حزبية تحمل أسماءً ثقافية، لكنها تؤدي وظائف سياسية وتنظيمية. 
فنجد اتحادًا للكتاب هنا، ورابطة للمثقفين هناك، ومنتدىً فكريًا في مكان آخر، ومؤتمرات ثقافية، وملتقيات أدبية، وجوائز، ومراكز للدراسات، وهي جميعها تُرفع تحت شعار الثقافة، لكنها في كثير من الأحيان تتحرك ضمن حدود الانتماء الحزبي، وتخضع لحساباته. 
ولا يعود السؤال المطروح: من هو الكاتب الأكثر إبداعًا؟

بل يصبح السؤال: إلى أي جهة ينتمي؟

ولا يعود معيار المشاركة في مؤتمر ثقافي هو القيمة الفكرية، بل الموقع التنظيمي، أو القرب من دوائر النفوذ. وهنا تبدأ الثقافة بالتحول من فضاء للحرية إلى فضاء للولاء. 
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تقتل الإبداع بصورة مباشرة، بل تخلق بيئة تجعل الولاء أكثر قيمة من الكفاءة، والانتماء أكثر أهمية من الفكر، فيتراجع أصحاب المشاريع الحقيقية، بينما يتقدم من يجيدون الاصطفاف. 

كيف تصنع الفوضى باسم التعددية؟

قد يقال إن كثرة الاتحادات والمؤسسات الثقافية دليل على الحيوية، وإن تعدد المنابر يعكس التعددية الفكرية. وهذا صحيح في المجتمعات التي تنشأ فيها المؤسسات استجابة لحاجات ثقافية حقيقية، وتتنافس في تقديم مشاريع معرفية مختلفة. لكن ما يحدث في الحالة الكوردية مختلف تمامًا. فكثير من هذه المؤسسات لم تنشأ لأن الساحة الثقافية احتاجت إليها، بل لأنها جاءت انعكاسًا لخريطة الانقسامات السياسية. 
كلما ظهر حزب جديد، ظهر معه اتحاد جديد. وكلما وقع انشقاق سياسي، وُلدت رابطة ثقافية جديدة. وكلما تعمق الخلاف بين القوى السياسية، انتقل الخلاف إلى المثقفين والكتاب والفنانين. 
وهكذا أصبح الوسط الثقافي يعيد إنتاج الخريطة الحزبية نفسها، حتى بات من الممكن أن تتوقع الانتماء السياسي لكاتب ما من خلال الاتحاد الذي ينتسب إليه، لا من خلال أفكاره أو مؤلفاته. هذه ليست تعددية ثقافية، بل فوضى تنظيمية تُلبس نفسها ثوب الثقافة. 
والنتيجة أن المثقف الكوردي لم يعد يجد مرجعية ثقافية جامعة، بل وجد نفسه أمام عشرات الكيانات التي تتحدث باسمه، بينما لا تمثل إلا جزءًا من المشهد. 
إن الأمة التي تمتلك عشرة اتحادات للكتاب، لكنها لا تمتلك مشروعًا ثقافيًا وطنيًا جامعًا، لا تعاني من نقص في المؤسسات، بل من أزمة في الرؤية.

إرسال تعليق

1تعليقات

  1. أبشع شيء أن يكون المثقف غير حر بل مستعبد حسب مصالحهم الشخصية لدنيوية

    ردحذف
إرسال تعليق

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!