منظمة الجيوستراتيجي للمجتمع المدني الكوردي
مشروع الحزام العربي: جريمة تغيير ديموغرافي وملف مفتوح في مسار العدالة الانتقالية السورية
في الذكرى السنوية لإقرار مشروع الحزام العربي، تتوقف منظمة الجيوستراتيجي للمجتمع المدني الكوردي أمام واحدة من أبرز السياسات التي شكّلت نموذجاً مبكراً للهندسة الديموغرافية في سوريا الحديثة، تلك السياسة التي لم تستهدف الأرض فحسب، بل استهدفت العلاقة التاريخية بين الإنسان الكردي وموطنه، وسعت إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية وفق اعتبارات أيديولوجية وقومية ضيقة، على حساب حقوق المواطنين الأصليين ومبادئ العدالة والمساواة.
إن مشروع الحزام العربي لا يمكن قراءته اليوم بوصفه مجرد حدث تاريخي مضى عليه الزمن، بل باعتباره ملفاً قانونياً وسياسياً وإنسانياً ما تزال آثاره قائمة ومؤثرة في الواقع السوري. فالسياسات التي قامت على مصادرة الملكيات الخاصة، وإعادة توزيع الأراضي، وإحداث تغييرات قسرية في البنية السكانية للمناطق الكردية، تمثل انتهاكاً لمبادئ الحق في الملكية والهوية والانتماء المكاني، وهي حقوق كفلتها المواثيق الدولية والقواعد الأساسية للقانون المعاصر.
ومن منظور المجتمع المدني، فإن خطورة الحزام العربي لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في كونه أسس لثقافة سياسية قائمة على الإقصاء والتمييز واستخدام مؤسسات الدولة كأداة لإعادة هندسة المجتمع. وقد ساهمت هذه السياسات في إضعاف الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعميق الشعور بالغبن والتمييز، وإنتاج أزمات اجتماعية وسياسية ما زالت تلقي بظلالها على مستقبل البلاد.
إن منظمة الجيوستراتيجي للمجتمع المدني الكوردي ترى أن أي عملية جادة لبناء سوريا جديدة لا يمكن أن تتجاوز هذا الملف أو تؤجله، لأن الدول الديمقراطية لا تُبنى على تجاهل المظالم التاريخية، بل على الاعتراف بها ومعالجتها وفق أسس العدالة الانتقالية وسيادة القانون. ولذلك فإن معالجة آثار الحزام العربي ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع وطني شامل لإعادة الاعتبار للضحايا وإنصاف المتضررين وإعادة الحقوق إلى أصحابها وفق آليات قانونية عادلة وشفافة.
كما تؤكد المنظمة أن قضية الحزام العربي ليست نزاعاً عقارياً أو إدارياً محدوداً، وإنما هي جزء من قضية أوسع تتعلق بحقوق الشعب الكردي ومكانته الدستورية والسياسية في سوريا. ومن هنا فإن ضمان عدم تكرار مثل هذه السياسات مستقبلاً يتطلب بناء نظام دستوري ديمقراطي يعترف بالتعددية القومية والثقافية، ويؤسس لمفهوم المواطنة المتساوية بعيداً عن سياسات الإنكار والإقصاء التي طبعت مراحل طويلة من تاريخ الدولة السورية.
وفي هذا السياق، تدعو المنظمة إلى تشكيل هيئة وطنية مستقلة تُعنى بتوثيق جميع الانتهاكات والآثار المترتبة على السياسات الاستثنائية التي استهدفت المناطق الكردية، وفي مقدمتها مشروع الحزام العربي، على أن تعمل هذه الهيئة ضمن إطار العدالة الانتقالية وبالتعاون مع المؤسسات الحقوقية الوطنية والدولية، بما يضمن الوصول إلى حلول مستدامة وعادلة تستند إلى القانون وتحترم حقوق جميع الأطراف.
كما تشدد المنظمة على أن مواجهة آثار الحزام العربي لا تعني إنتاج مظالم جديدة أو خلق توترات بين المكونات السورية، بل تهدف إلى ترسيخ مفهوم العدالة وإعادة بناء الثقة المجتمعية، باعتبار أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر تجاهل الحقوق، وإنما عبر الاعتراف بها وصونها وضمان عدم انتهاكها مستقبلاً.
إن الذكرى السنوية للحزام العربي ليست مناسبة لاستحضار الماضي بقدر ما هي دعوة للتفكير في المستقبل. فالمجتمعات التي تعترف بأخطائها التاريخية وتمتلك الشجاعة لمعالجتها هي وحدها القادرة على بناء دولة مستقرة وعادلة. أما تجاهل هذه الملفات أو الالتفاف عليها فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات والصراعات بأشكال جديدة.
وعليه، تؤكد منظمة الجيوستراتيجي للمجتمع المدني الكوردي أن إزالة آثار مشروع الحزام العربي، وإنصاف المتضررين منه، والاعتراف بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي، تمثل جميعها خطوات ضرورية على طريق بناء سوريا ديمقراطية تعددية، قائمة على العدالة وسيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية.
24.06.2026
منظمة الجيوستراتيجي للمجتمع المدني الكوردي

