من هو المستفيد من الصراع الداخلي الكردي؟

آدمن الموقع
0
إعداد: المكتب الإعلامي للتحالف 
لم يكن الصراع الداخلي بين القوى الكردية في أي مرحلة من مراحل التاريخ الحديث مجرد خلاف سياسي عابر، بل كان دائماً أحد أخطر التحديات التي واجهت القضية الكردية. فكلما انشغل الكرد بخلافاتهم الداخلية، تراجعت قدرتهم على حماية مكتسباتهم، ووجدت القوى الإقليمية والدولية الفرصة المناسبة للتدخل والتأثير في مسار قضيتهم.

إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كل كردي اليوم ليس: من المخطئ ومن المصيب؟ بل السؤال الأهم هو: من هو المستفيد الحقيقي من استمرار الصراع الداخلي الكردي؟

التاريخ يجيب على هذا السؤال بوضوح. فالدول التي اقتسمت كردستان منذ أكثر من قرن كانت دائماً الأكثر استفادة من انقسام الكرد. لأن وحدة الكرد كانت تعني بالنسبة لهذه الدول ظهور قوة سياسية وجغرافية جديدة في قلب الشرق الأوسط، قوة قادرة على المطالبة بحقوقها التاريخية وعلى فرض حضورها في المعادلات الإقليمية.

لذلك لم يكن غريباً أن تعمل هذه الدول، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تغذية الانقسامات الكردية كلما سنحت الفرصة. فقد استخدمت الأدوات السياسية والإعلامية والأمنية، وأحياناً حتى الاقتصادية، لإبقاء الساحة الكردية في حالة تنافس دائم وصراع مستمر.

فالكرد عندما ينقسمون، تتحول قضيتهم من قضية شعب يسعى إلى حقوقه المشروعة إلى مجموعة صراعات داخلية تفقدها قوتها الأخلاقية والسياسية أمام العالم. وعندما تتراجع الثقة بين القوى الكردية، يصبح من السهل على القوى الخارجية أن تتدخل، وأن تلعب دور الوسيط أو الحَكَم، بينما هي في الحقيقة تعيد تشكيل التوازنات بما يخدم مصالحها.

إن المستفيد من الصراع الداخلي الكردي ليس فقط القوى الإقليمية التي تخشى صعود الكرد كقوة سياسية مؤثرة، بل أيضاً كل من يسعى إلى إبقاء الشرق الأوسط في حالة عدم استقرار دائم. فالقضية الكردية، لو توحدت إرادتها السياسية، يمكن أن تصبح عاملاً مهماً للاستقرار في المنطقة، لا سبباً إضافياً للصراع.

لكن في المقابل، فإن الخاسر الأكبر من هذه الصراعات هو الشعب الكردي نفسه. فكل صراع داخلي يستهلك طاقات المجتمع، ويضعف المؤسسات، ويؤخر بناء مشروع سياسي موحد قادر على الدفاع عن الحقوق الكردية في المحافل الإقليمية والدولية.

إن التجارب التاريخية للشعوب تثبت أن الانقسام الداخلي هو الطريق الأسرع لإضاعة الفرص التاريخية. وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتغير موازين القوى بسرعة، قد لا تتكرر الفرص التي تضيع بسبب الخلافات الداخلية.

لذلك فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق النخب السياسية والثقافية والمدنية الكردية من أجل إعادة توجيه البوصلة نحو المصالح العليا للشعب الكردي. فالوحدة لا تعني إلغاء الاختلافات، لكنها تعني إدارة هذه الاختلافات ضمن إطار وطني جامع يحمي المصلحة الكردية العامة.

إن السؤال عن المستفيد من الصراع الداخلي الكردي يجب أن يتحول إلى دافع لمراجعة عميقة داخل البيت الكردي. لأن بقاء الكرد منقسمين يعني أن الآخرين سيواصلون كتابة مستقبلهم نيابة عنهم. أما إذا تمكن الكرد من تحويل تنوعهم السياسي إلى قوة تكاملية، فإنهم سيكونون قادرين على فرض حضورهم كقوة تاريخية في مستقبل المنطقة.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!