إذا وُجد بين الكورد فكر قومي حقيقي، فلن يسمح بأن تُختزل الانتماءات اللهجية أو الدينية في كيانات منفصلة عن الهوية الكوردية الجامعة، كما لن يُقبل أن تتحول المكونات التاريخية، كالإيزيديين أو الزازا، إلى قوميات مستقلة تُستخدم لأغراض سياسية ظرفية. فمثل هذه التوجهات ليست إلا نتيجة غياب الفكر القومي الموحِّد، وهيمنة النزعات الحزبية الضيقة التي تحولت إلى ما يشبه الطائفية السياسية.
لقد باتت الحزبياتية الكوردية حالة مغلقة، تحتفي برموزها وأعلامها كما لو كانت طوائف دينية، وتُخضع الوعي الجمعي لمنطق الولاء التنظيمي بدل الانتماء القومي. فبينما تتحرك الأحزاب ضمن حسابات مناطقية أو مصلحية، يغيب التنظير القومي كما عرفته تجارب الأمم الأخرى التي أنجبت مفكرين قوميين صاغوا فلسفة الانتماء قبل السياسة.
لقد باتت الحزبياتية الكوردية حالة مغلقة، تحتفي برموزها وأعلامها كما لو كانت طوائف دينية، وتُخضع الوعي الجمعي لمنطق الولاء التنظيمي بدل الانتماء القومي. فبينما تتحرك الأحزاب ضمن حسابات مناطقية أو مصلحية، يغيب التنظير القومي كما عرفته تجارب الأمم الأخرى التي أنجبت مفكرين قوميين صاغوا فلسفة الانتماء قبل السياسة.
إن تراجع الفكر القومي الكوردي أمام النزعة الحزبية أنتج وعياً قبلياً جديداً بملامح عصرية، يغذي الانقسام بدل الوحدة، ويُفرغ القضية القومية من بعدها التحرري والثقافي. فالأحزاب الكوردية، التي تشكّلت في ظل التأثر باليسار العربي أو الماركسي، أعادت إنتاج أنماط فكرية مستعارة، فجمّدت العقل الكوردي في قوالب شعاراتية دون أن تنجز مشروعاً قومياً حقيقياً. ظلت تلك الأحزاب تدور في فلك الماضي، تنسخ تجارب الحركات الأيديولوجية العربية، وتغفل عن جوهر القضية الكوردية بوصفها قضية هوية وحرية ووجود.
وهكذا استُبدل المشروع القومي بمشروع حزبي مغلق، يُعلي من شأن الولاء الشخصي ويقصي الاختلاف الفكري. تحول الحزب إلى معبد، والزعماء إلى رموز مقدسة، والمثقفون إلى أدوات تبرير. وبات الهمّ السياسي هو الحفاظ على النفوذ والمواقع لا بناء الوعي. حتى اللغة الكوردية – بوصفها حامل الهوية – أُهملت في إعلامهم وخطابهم، فبقيت النخب الحزبية عاجزة عن إنتاج فكر لغوي وثقافي متين.
إن ضمور الفكر القومي هو نتيجة طبيعية لانشغال الأحزاب بالسلطة بدلاً من المجتمع، وبتأليه الشعارات بدلاً من النقد. وقد آن الأوان للبحث عن بديل يعيد الاعتبار للفكر القومي الحر، عبر التخلص من الإرث القبلي، واستبعاد الرموز التي تحارب التجديد، وإحياء التفكير النقدي القادر على مساءلة الذات قبل الآخر. فالقومية ليست أيديولوجيا جامدة، بل طاقة معرفية وأخلاقية تحرك الشعوب نحو الوعي والحرية.
لقد جعلت الإيديولوجيات المغلقة من العقل الكوردي عقلاً نظرياً يعيد إنتاج ذاته في دائرة مغلقة، كما فعلت الخلافة العثمانية حين اكتفت بالعلوم النظرية وأهملت التقنية، فسبقها الغرب بالعلم والصناعة. ولا يزال الشرق، بما فيه العالم الكوردي، أسير الخطب والشعارات، يتغنى بالماضي دون أن يبني مستقبله، ويعيش في حالة استهلاكية فكرية تجاه الغرب، بدلاً من خلق نموذج ذاتي للحضارة والنهضة.
إن تجربة الأحزاب الكوردية في العقود الماضية تشبه إلى حد بعيد تجارب الفاشيات القومية الأوروبية في القرن الماضي، إذ استنسخت روحها التعبوية دون أن تنتج فلسفتها الخاصة. في حين نجحت الحركات القومية الغربية اليوم في استعادة خطاب الهوية بطريقة مدنية وديمقراطية، ما يدعو الكورد إلى مراجعة تجربتهم وبناء مشروع قومي جديد يتجاوز الانقسامات.
إن النهضة القومية الكوردية لن تتحقق بالشعارات، بل بالقدرة على التغيير الفكري والاعتراف بالأخطاء. فكما قال نيتشه: "الحية التي لا تستطيع أن تغيّر جلدها تهلك، وكذلك البشر الذين لا يغيّرون آراءهم لا يعودون بشراً."
"التغيير هو روح الحياة القومية، أما الجمود فهو موت بطيء لأي حركة تدّعي تمثيل الأمة"
إن بناء فكر قومي كوردستاني جديد يتطلب تحرراً من الوصاية الحزبية، وتأسيس خطاب معرفي يربط الحرية بالوعي، والقومية بالإنسان، حتى تستعيد الأمة الكوردية مكانتها كحركة تاريخية حيّة لا كذاكرة سياسية جامدة.

