
الكاتب: محمد أحمد بافي جيان
يمرّ الشعب الكوردي منذ عقود طويلة بتجارب قاسية من الانقسام السياسي والجغرافي، رافقها في معظم الأحيان تدخل إقليمي ودولي عمل بشكل مباشر أو غير مباشر على ترسيخ هذا الانقسام وإدامته. وقد أدى هذا الواقع إلى إضعاف القدرة الجماعية للكورد على بناء مشروع مجتمعي موحّد قادر على تحويل طاقاتهم البشرية والثقافية والسياسية إلى قوة مؤثرة. فالكورد، على الرغم من أنهم أحد أكبر الشعوب في الشرق الأوسط من حيث العدد والامتداد الجغرافي، ما يزالون يواجهون تحديات كبيرة في تنظيم قوتهم المجتمعية ضمن إطار جامع يعبّر عن مصالحهم المشتركة.
لقد انعكست هذه الانقسامات على مختلف جوانب الحياة الكوردية؛ بدءاً من المجال السياسي، مروراً بالبنية الاجتماعية والثقافية، وصولاً إلى الاقتصاد والتنمية. فالتجزئة السياسية أدت إلى تشتت القرار، وإلى تعدد مراكز النفوذ والرؤى، الأمر الذي جعل القدرة على صياغة مشروع قومي أو مجتمعي متكامل أمراً معقداً وصعب التحقيق. كما أن الحدود السياسية المفروضة على كوردستان منذ بدايات القرن العشرين أدت إلى فصل المجتمعات الكوردية عن بعضها البعض، ما أضعف التواصل الطبيعي بينها وعرقل عملية بناء رؤية استراتيجية مشتركة.
إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا السياق هو: متى يمكن للكورد أن يوحّدوا قوتهم المجتمعية ويصبحوا فاعلين مؤثرين على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بالوحدة السياسية، بل يرتبط قبل كل شيء بقدرة المجتمع الكوردي نفسه على إعادة تنظيم طاقاته وتوجيهها ضمن مشروع اجتماعي طويل الأمد يقوم على التعاون والتكامل بدل التنافس والانقسام.
لقد انعكست هذه الانقسامات على مختلف جوانب الحياة الكوردية؛ بدءاً من المجال السياسي، مروراً بالبنية الاجتماعية والثقافية، وصولاً إلى الاقتصاد والتنمية. فالتجزئة السياسية أدت إلى تشتت القرار، وإلى تعدد مراكز النفوذ والرؤى، الأمر الذي جعل القدرة على صياغة مشروع قومي أو مجتمعي متكامل أمراً معقداً وصعب التحقيق. كما أن الحدود السياسية المفروضة على كوردستان منذ بدايات القرن العشرين أدت إلى فصل المجتمعات الكوردية عن بعضها البعض، ما أضعف التواصل الطبيعي بينها وعرقل عملية بناء رؤية استراتيجية مشتركة.
إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا السياق هو: متى يمكن للكورد أن يوحّدوا قوتهم المجتمعية ويصبحوا فاعلين مؤثرين على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بالوحدة السياسية، بل يرتبط قبل كل شيء بقدرة المجتمع الكوردي نفسه على إعادة تنظيم طاقاته وتوجيهها ضمن مشروع اجتماعي طويل الأمد يقوم على التعاون والتكامل بدل التنافس والانقسام.
تجاوز الخلافات الحزبية وبناء رؤية وطنية جامعة
أول الشروط الأساسية لتحقيق وحدة القوة المجتمعية الكوردية يتمثل في القدرة على تجاوز الخلافات الحزبية والولاءات الضيقة التي كثيراً ما تحولت إلى عائق حقيقي أمام العمل المشترك. فالواقع السياسي الكوردي خلال العقود الماضية شهد تعددية حزبية واسعة، وهي في حد ذاتها ظاهرة طبيعية في أي مجتمع يسعى إلى التعبير عن تنوعه السياسي والفكري. غير أن المشكلة لا تكمن في التعددية بحد ذاتها، بل في تحوّل هذه التعددية في بعض الأحيان إلى حالة من التنافس الحاد والصراع الذي يضع المصالح الحزبية فوق المصلحة العامة.
إن أي مشروع مجتمعي جامع لا يمكن أن ينجح إذا بقيت الحسابات الحزبية الضيقة تتحكم في مسار العمل العام. فالمجتمع الذي تنقسم نخبته السياسية بشكل دائم يفقد قدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى، كما يصبح أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية التي تستغل هذه الانقسامات لتعزيز مصالحها الخاصة.
من هنا تبرز الحاجة إلى تطوير رؤية وطنية كورديّة مشتركة تقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية التي يمكن أن تشكل أرضية للعمل المشترك بين مختلف القوى والتيارات. هذه الرؤية لا تعني إلغاء التعددية السياسية أو فرض نموذج واحد على الجميع، بل تعني الاتفاق على مجموعة من الأهداف الكبرى التي تتجاوز الخلافات اليومية، مثل حماية الهوية الكوردية، تعزيز الحقوق السياسية والثقافية، وبناء مجتمع قادر على تحقيق التنمية والاستقرار.
بناء مؤسسات مجتمع مدني قوية تربط الداخل بالشتات
الشرط الثاني الذي لا يقل أهمية يتمثل في بناء مؤسسات مجتمع مدني قوية ومستقلة وقادرة على لعب دور الوسيط بين مختلف مكونات المجتمع الكوردي. فالمجتمع المدني يمثل في كثير من التجارب العالمية العمود الفقري لأي مشروع مجتمعي ناجح، لأنه يوفر إطاراً جامعاً يمكن أن يلتقي فيه الأفراد والمؤسسات بعيداً عن الانقسامات السياسية الضيقة.
بالنسبة للكورد، فإن أهمية المجتمع المدني تتضاعف بسبب وجود ملايين الكورد في الشتات المنتشرين في أوروبا وأمريكا الشمالية ومناطق أخرى من العالم. هذه الجاليات تمتلك إمكانيات علمية واقتصادية وثقافية كبيرة يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة حقيقي إذا تم تنظيمها ضمن شبكات مجتمعية فعالة تربطها بالمجتمع الكوردي في الداخل.
إن المؤسسات المدنية يمكن أن تلعب دوراً محورياً في هذا المجال من خلال إنشاء منصات للحوار والتعاون وتبادل الخبرات، إضافة إلى دعم المشاريع التعليمية والثقافية والبحثية التي تعزز الوعي الجماعي. كما يمكن لهذه المؤسسات أن تكون جسراً للتواصل مع المجتمعات الدولية، وأن تعمل على تعريف العالم بالقضية الكوردية بطريقة مهنية ومدروسة.
ومن خلال هذه الشبكات المدنية يمكن تحويل الطاقات الفردية المتفرقة إلى قوة جماعية منظمة قادرة على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار. فبدلاً من أن تبقى المبادرات الفردية محدودة التأثير، يمكن للمجتمع المدني أن ينسق بينها ويحوّلها إلى مشاريع طويلة الأمد تخدم المجتمع بأكمله.
تعزيز الثقافة الديمقراطية واحترام التعددية
الشرط الثالث لتوحيد القوة المجتمعية الكوردية يتمثل في ترسيخ الثقافة الديمقراطية داخل المجتمع نفسه. فالديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي أو مجموعة من القوانين، بل هي قبل كل شيء ثقافة اجتماعية تقوم على احترام الرأي الآخر والقدرة على إدارة الاختلاف بطريقة بنّاءة.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المجتمعات التي تنجح في تحويل التنوع الداخلي إلى مصدر قوة هي المجتمعات الأكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات. أما المجتمعات التي تنظر إلى الاختلاف باعتباره تهديداً، فإنها غالباً ما تدخل في دوامات من الصراع الداخلي الذي يضعف قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية.
في السياق الكوردي، يشمل هذا الأمر احترام التنوع السياسي والفكري، وكذلك التنوع الثقافي والاجتماعي الموجود داخل المجتمع نفسه. فالوحدة الحقيقية لا تعني محو الاختلافات أو تجاهلها، بل تعني إيجاد آليات تسمح بإدارتها بطريقة تعزز التعاون بدل التنافس.
إن ترسيخ ثقافة الحوار والتوافق يمكن أن يخلق بيئة سياسية واجتماعية أكثر استقراراً، ويتيح للنخب الكوردية التركيز على القضايا الاستراتيجية بدلاً من الانشغال بالصراعات الداخلية.
دور الشباب والنخب الفكرية في إعادة بناء المشروع المجتمعي
إلى جانب هذه الشروط الأساسية، يلعب الشباب والنخب الفكرية دوراً محورياً في عملية إعادة بناء القوة المجتمعية الكوردية. فالأجيال الجديدة تمتلك رؤية مختلفة للعالم، وهي أكثر انفتاحاً على التجارب الدولية وأكثر قدرة على استخدام أدوات العصر مثل التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة.
يمكن للشباب الكوردي أن يكون قوة دافعة نحو التغيير إذا ما توفرت له الفرص المناسبة للمشاركة في الحياة العامة. كما أن النخب الفكرية والثقافية تقع على عاتقها مسؤولية تطوير خطاب جديد يركز على بناء المستقبل بدلاً من البقاء أسير الخلافات التاريخية.
إن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وبناء مراكز الفكر والدراسات يمكن أن يسهم في تطوير رؤية استراتيجية طويلة الأمد تساعد المجتمع الكوردي على مواجهة التحديات المعقدة التي تحيط به.
لحظة التحول التاريخي
إن اللحظة التي يدرك فيها الكورد أن بقاءهم واستقرارهم مرهونان بقدرتهم على العمل المشترك والتنسيق المجتمعي ستكون لحظة تحول تاريخية في مسارهم السياسي والاجتماعي. ففي تلك اللحظة، لن تعود الوحدة مجرد شعار سياسي، بل ستتحول إلى ضرورة وجودية يدركها الجميع.
عندها فقط يمكن للكورد أن يوحّدوا قوتهم المجتمعية بشكل حقيقي، وأن يتحولوا من مجتمع يعيش في حالة دفاع دائم إلى مجتمع قادر على المبادرة وصناعة مستقبله بنفسه. هذه الوحدة لن تعني بالضرورة إقامة كيان سياسي واحد، بل تعني قبل كل شيء بناء شبكة مجتمعية قوية تربط مختلف أجزاء المجتمع الكوردي وتعمل على تنسيق جهودها.
ومع مرور الوقت، يمكن لهذه القوة المجتمعية المنظمة أن تتحول إلى عامل مؤثر في المعادلات الإقليمية والدولية، بحيث يصبح الكورد شركاء حقيقيين في صياغة مستقبل المنطقة، لا مجرد أطراف تتأثر بما يجري حولها.
إن الطريق إلى ذلك ليس سهلاً ولا قصيراً، لكنه يبدأ بخطوة أساسية: الإيمان بأن قوة المجتمع تكمن في وحدته، وأن المستقبل لا يُبنى بالانقسام بل بالتعاون والعمل المشترك.
