الاستقلال وتقرير المصير… حقٌّ لا يسقط بالتقادم

آدمن الموقع
0
بقلم: حسن شيخو
يجب أن يفهم ويستوعب كل من يعمل في الشأن الكردي، وكل من يتحدث باسم الشعب الكردي، أن القضية الكردية ليست قضية إدارية أو ثقافية محدودة، وليست مجرد مطالب بحقوق جزئية يمكن تأجيلها أو تجزئتها إلى ما لا نهاية. إنها قضية شعب له هوية قومية وتاريخ وأرض وحقوق سياسية ووطنية، ومن حقه أن يقرر مستقبله بإرادته الحرة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الاستقلال وتقرير المصير يجب أن يكونا الهدف الاستراتيجي للحركة الوطنية الكردية، وأن أي حلول أخرى ينبغي ألا تتحول إلى بديل دائم عن هذا الهدف، أو إلى وسيلة لإبقاء الشعب الكردي في حالة انتظار وتبعية سياسية.
إن الحديث المستمر عن أنصاف الحلول، وعن الاندماج الكامل داخل الدول القائمة، أو الاكتفاء بصيغ إدارية محدودة، لا ينبغي أن يكون نهاية المشروع القومي الكردي. فالتجارب التاريخية والسياسية أثبتت أن الحقوق التي لا تستند إلى إرادة شعبية ومؤسسات سياسية قوية وضمانات دستورية واضحة تبقى عرضة للتراجع والتغيير.
أما شعار «أخوة الشعوب»، فيمكن أن يكون مبدأً للتعايش والسلام بين الشعوب، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى بديل عن الاعتراف بالهوية والحقوق القومية والسياسية للشعب الكردي. فالتعايش الحقيقي يقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق، وليس على مطالبة شعب بالتخلي عن تطلعاته الوطنية.
وكذلك فإن الفدرالية والكونفدرالية والحكم الذاتي وغيرها من الصيغ السياسية يمكن أن تكون نماذج للحكم في ظروف مختلفة، لكنها ليست بذاتها ضمانة أبدية لحل القضية الكردية. وتجربة إقليم كردستان في العراق، بما شهدته من نزاعات دستورية وسياسية واقتصادية مع الحكومة الاتحادية، ولا سيما بعد أزمة استفتاء عام 2017، تقدم مادة مهمة لدراسة حدود الصيغ الاتحادية عندما تكون الإرادة السياسية والضمانات الدستورية موضع خلاف. وهذا لا يعني إنكار ما حققه الإقليم، بل يعني ضرورة استخلاص الدروس من التجربة وعدم تكرار الأخطاء.

إن الاندماج الذي يؤدي إلى ذوبان الهوية القومية أو إلغاء الجغرافيا الكردية أو إفراغ الحقوق السياسية من مضمونها ليس حلاً للقضية الكردية؛ بل قد يؤدي عملياً إلى إضعافها وإطالة أمدها.

ومن الناحية القانونية الدولية، فإن مبدأ تقرير المصير ليس شعاراً حزبياً. فميثاق الأمم المتحدة يضع احترام مبدأ المساواة في الحقوق وتقرير المصير للشعوب ضمن مقاصد المنظمة الدولية، كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادتهما الأولى على أن «لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها»، وأنها بموجب هذا الحق تحدد بحرية وضعها السياسي وتسعى بحرية إلى تحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. (FN - Juridiska Avdelningen⁠)
لكن تحويل هذا الحق إلى دولة مستقلة في حالة معينة يتطلب، إلى جانب الإرادة الشعبية، مساراً سياسياً وقانونياً ودولياً معقداً، ولذلك فإن النضال من أجل الاستقلال يجب أن يكون قائماً على العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني وبناء المؤسسات وكسب الدعم الدولي، مع احترام القانون الدولي وحقوق جميع المكونات.

لقد حان الوقت للانتقال من إدارة الأزمة الكردية إلى بناء المشروع الكردي.

المطلوب ليس المزيد من الانقسامات الحزبية، ولا صراع الشعارات، ولا تبادل الاتهامات بين الكرد، بل بناء رؤية وطنية مشتركة تضع المصلحة القومية فوق المصالح الحزبية والشخصية، وتعمل على توحيد الصف الكردي، وتقوية المؤسسات، وتطوير العلاقات الدولية، وتعريف العالم بالقضية الكردية باعتبارها قضية حقوق شعب وتقرير مصير.
إن كردستان لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالوعي والوحدة والمؤسسات والتعليم والاقتصاد والدبلوماسية والقوة السياسية، وبإرادة شعبية واضحة.
ولهذا أدعو جميع القوى والشخصيات والتيارات الوطنية الكردية إلى إعادة النظر في استراتيجياتها، والابتعاد عن المشاريع التي تُبقي القضية الكردية رهينة للوعود المؤجلة، والعمل بصورة سلمية وسياسية وقانونية ودبلوماسية بكل الوسائل المشروعة من أجل الوصول إلى كردستان حرة، مستقلة، ديمقراطية، تحترم حقوق جميع مكوناتها وتعيش بسلام مع جيرانها.

إن حق تقرير المصير لا ينبغي أن يكون مجرد مادة في البيانات والمؤتمرات؛ بل يجب أن يتحول إلى مشروع سياسي واستراتيجي واضح.
كردستان ليست حلماً عابراً، والاستقلال ليس ترفاً سياسياً، وتقرير المصير ليس منّة من أحد؛ إنها قضية يجب أن يقرر الشعب الكردي مستقبلها بإرادته الحرة، ضمن مسار سياسي وقانوني يحظى بالشرعية الشعبية والدولية.

عاشت إرادة الشعب الكردي، وعاشت كردستان حرة وديمقراطية.

- رئيس حركة الكردايتي في سوريا

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Ok, Go it!) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Check Now
Ok, Go it!